اقتصادسياسةعاجل

الفن المصري ذاكرة كل عربي… وداعا الفنان القدير” عبد الرحمن أبو زهرة’

بقلم : الاعلامية نرجس قدا

الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات ولا بضجيج الترند، الفن الحقيقي هو ذلك الأثر الذي يبقى حيًّا في وجدان الناس حتى بعد عشرات السنين.

وحين نتحدث عن الفن العربي، فمصر كانت وستظل مدرسة كبيرة صنعت ذاكرة أجيال كاملة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وكل الوطن العربي. نحن لم نكن مجرد مشاهدين، نحن تربّينا على أصواتهم، ضحكنا مع أفلامهم، وبكينا مع مسلسلاتهم، وحفظنا ملامحهم كأنهم جزء من بيوتنا.

واليوم، حين نفقد قامة كبيرة مثل عبد الرحمن أبو زهرة، لا نشعر أن مصر وحدها فقدت فنانًا، بل يشعر الوطن العربي كله بالحزن، لأن هذا الرجل لم يكن مجرد ممثل… كان جزءًا من ذاكرة الشعوب.

فنان أعطى عمره وصحته وموهبته للفن الراقي، وترك أعمالًا خالدة ستعيش أكثر من أجيال كثيرة، ومع ذلك هناك إحساس مؤلم بأن كثيرًا من الفنانين الكبار لم يأخذوا حقهم الحقيقي، لا ماديًا ولا معنويًا ولا إنسانيًا.

للأسف، أصبحنا نكرّم الفنان بعد رحيله أكثر مما نحتضنه وهو حي.

نكتب كلمات الرثاء، ونبكي، ونتحدث عن قيمته بعد أن يصبح مجرد صورة وذكرى، بينما كان الأجدر أن يشعر في حياته بمكانته وتاريخه وتقدير الدولة والجمهور والمؤسسات الفنية له.

هناك فنانون كبار صنعوا وجدان الأمة العربية، لكن بعضهم عاش في صمت وتعب ومرض، وكأن الزمن نسي أن هؤلاء هم من صنعوا القوة الناعمة التي جعلت الفن العربي يدخل كل بيت بدون استئذان.

أنا كمغربية أقولها بكل احترام ومحبة: الفن المصري ليس ملك مصر وحدها، بل هو جزء من ذاكرة كل عربي.

في المغرب العربي كله، ما زالت المسلسلات والأفلام المصرية القديمة تُشاهَد إلى اليوم، وما زالت الشخصيات تعيش معنا كأنها وُلدت أمس. هذا ليس أمرًا عاديًا، بل قيمة حضارية وفنية كبيرة جدًا.

ولهذا فمن حق هؤلاء الفنانين علينا أن يُكرَّموا التكريم الذي يليق بتاريخهم، وأن تكون هناك رعاية حقيقية لهم، ولأسمائهم، ولإرثهم الفني.

نحن لا نطلب المستحيل، ولا نتدخل فيما لا يعنينا، بل نتحدث بدافع الوفاء.

لأن الأمم التي لا تحفظ قيمة مبدعيها، تفقد جزءًا من روحها مع الوقت.

الفنان الحقيقي ليس مجرد شخص ظهر على الشاشة، بل إنسان ساهم في تشكيل الوعي والذوق والوجدان الجمعي لأجيال كاملة.

رحم الله الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة، ورحم كل فنان رحل وهو يستحق من الحب والتقدير أكثر بكثير مما ناله.

ونتمنى أن يأتي يوم يصبح فيه تكريم الفنان في حياته واجبًا حقيقيًا، لا مجرد كلمات تُقال بعد الرحيل.

فهؤلاء لم يكونوا مجرد ممثلين… هؤلاء كانوا تاريخًا كاملًا يمشي على الأرض.

Facebook Comments Box

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى