“الكاتب الصحفي محمود سلامة رئيس تحرير جريدة وموقع 24 ساعة توداي… يكتب مسيرة تعليمية: من الأمية إلى الجامعة “

النجاح لا يُقاس بحجم البدايات، بل بقوة الإرادة واستمرارية السعي. فمن يملك الحلم، ويصر على تحقيقه، سيصل إليه ولو بعد حين.
“بداية القصة “وُلد في قريةٍ نائية لم تكن تعرف للمدارس طريقًا. نشأ في أسرةٍ بسيطة، وكان والده يرى أن العمل في الحقل أولى من إضاعة الوقت في “القراءة والكتابة”. بلغ الخامسة والعشرين من عمره وهو لا يميز بين الحرف والألف، يوقّع ببصمة إبهامه، ويحمل في قلبه غصةً كلما رأى طفلاً يحمل حقيبة مدرسية.
نقطة التحول: في أحد الأيام، وقف أمام لافتةٍ على الطريق ولم يستطع قراءتها، فاضطر أن يسأل طفلاً صغيرًا عن معناها. نظرة الطفل المندهشة أيقظت فيه عزمًا دفينًا. في مساء ذلك اليوم اتخذ قرارًا مصيريًا: “لن أموت وأنا أجهل الحرف.”
مرحلة محو الأمية: التحق بفصول محو الأمية التي نظمتها الجمعية الخيرية في المركز القريب. كان يقطع مسافة سبعة كيلومترات سيرًا على الأقدام بعد يوم عملٍ شاق. تعلم الحروف في ستة أشهر، وفي نهاية العام الأول استطاع أن يكتب اسمه كاملاً دون مساعدة. كان ذلك اليوم بمثابة ميلادٍ جديد له.
التعليم الأساسي: لم يكتفِ بمحو أميته، فانتسب إلى المرحلة الإعدادية بنظام المنازل وهو في الثلاثين من عمره. كان يجلس في الصفوف الخلفية بين طلابٍ يصغرونه بعشرين عامًا، يتحمل نظرات الاستغراب، ويذاكر على ضوء مصباحٍ خافت بعد أن ينام أطفاله. نجح بتفوق، وكان ترتيبه الأول على إدارته التعليمية في امتحان الشهادة الإعدادية.
المرحلة الثانوية: التحق بالثانوية العامة، وازدادت التحديات. كان يعمل صباحًا ، ويدرس مساءً. اعتمد على الكتب القديمة التي يتبرع بها الجيران، ولخّص دروسه في دفاتر صنعها من ورق لبيع البقالة. في عام الثالث للثانوية العامة، كان ينام ثلاث ساعاتٍ فقط يوميًا. جاءت النتيجة: 90%، ليحجز مقعده في كلية الآداب.
المرحلة الجامعية: دخل الجامعة وعمره سبعة وثلاثون عامًا ، يسبقه أبناؤه الطلاب إلى المدرج. لكنه كان أكثرهم حرصًا على الحضور وأشدهم شغفًا بالعلم. تخرّج بعد أربع سنوات بتقدير جيد جداً ، ووقف على منصة التكريم ليستلم شهادته وسط تصفيقٍ لم ينقطع.
في كلمته قال: “الأمية ليست عيبًا، العيب أن ترضى بها. والقطار يفوت من يتأخر، لكنه لا يفوت من يصر أن يلحق به ولو ركضًا.”
اليوم، هو معلمٌ بمشروع محو الأمية في نفس المدرسة التي حرم منها وهو طفل ، ويشرف على فصول محو الأمية في قريته. تخرّج على يديه أكثر من 400 دارس, ثم اسس مؤسسة أهلية ومن اهم انشطتها مركز لتعليم الكبار, وقد اثبت أن النجاح لا يُقاس بحجم البدايات، بل بقوة الإرادة واستمرارية السعي , فمن يملك الحلم، ويصر على تحقيقه، سيصل إليه ولو بعد حين.
ومنه نتعلم الدرس المستفاد: أن العلم لا يعترف بعمر، ولا يخضع لظرف. من أراد اللحاق بركب المتعلمين، فإن الطريق يبدأ بخطوة، ولو كانت متأخرة. الإرادة الصادقة تجعل المستحيل ممكنًا.








