“حين يتحوّل القانون إلى منصة إعدام: سقوط العدالة في تشريع الكنيست الإسرائيلي”

بقلم: الإعلامية نرجس قدا

في لحظةٍ فارقة من تاريخ الصراع، لا يمكن النظر إلى ما أقرّه الكنيست الإسرائيلي باعتباره مجرد تشريع قانوني عابر، بل هو تحوّل خطير في طبيعة المواجهة، وانزلاق واضح نحو تقنين القتل تحت غطاء “القانون”.
هذا القانون، الذي يفتح الباب أمام إعدام الأسرى الفلسطينيين، لا يعكس فقط تشدّدًا سياسيًا، بل يكشف عن أزمة أخلاقية عميقة داخل المنظومة الحاكمة. فحين تتحول العدالة إلى أداة انتقام، وحين يُختزل الإنسان في تهمة، يصبح القانون نفسه شريكًا في الجريمة، لا رادعًا لها. هنا، لا نتحدث عن نصوص جامدة، بل عن أرواح معلّقة بين قرار سياسي ومصير مظلم.
من منظور القانون الدولي، ما يحدث يتصادم بشكل مباشر مع أبسط المبادئ التي أرستها اتفاقيات جنيف، والتي شددت على حماية الأسرى وضمان محاكمات عادلة لهم. تقليص فرص الاستئناف أو طلب العفو ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعدام مضاعف: إعدام للعدالة قبل إعدام الجسد.
وإذا كانت الرئاسة الفلسطينية قد وصفت القرار بأنه “جريمة حرب”، فهي لم تبالغ، لأن هذا القانون لا يستهدف أفرادًا بقدر ما يستهدف شعبًا بأكمله. إنه يبعث برسالة مفادها أن حياة الفلسطيني يمكن أن تُختزل في قرار سياسي، وأن موته يمكن أن يُشرعن بنص قانوني.
الأخطر من ذلك، أن هذا التصعيد لا يأتي في فراغ. فالمجتمع الدولي، الذي طالما تغنّى بحقوق الإنسان، يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: هل سيبقى صامتًا أمام تشريع يفتح الباب لعمليات إعدام ذات طابع سياسي؟ أم أنه سيتحرك لفرض حدّ أدنى من المعايير الإنسانية التي يدّعي الدفاع عنها؟
إن تحذيرات المنظمات الحقوقية ليست مجرد تخوفات نظرية، بل قراءة واقعية لما قد يحدث. فالقانون لا يزيد إلا منسوب الغضب، ويؤسس لمرحلة أكثر عنفًا، حيث يصبح الأسرى رهائن لقرارات سياسية متطرفة. ومع وجود آلاف الأسرى، بينهم أطفال ونساء، فإن أي تطبيق لهذا القانون سيكون بمثابة شرارة قد تشعل ما هو أبعد من السجون.
سياسيًا، يمكن فهم هذا القرار في سياق محاولة فرض معادلة ردع جديدة، لكن التاريخ أثبت أن القمع لا يصنع أمنًا، بل يراكم الانفجار. فالشعوب لا تُهزم بالإعدام، بل تتحول معاناتها إلى ذاكرة جماعية تغذي الصمود، وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي على أساس الألم والكرامة معًا.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد قانون، بل لحظة اختبار للضمير الإنساني. إما أن ينتصر القانون بمعناه الحقيقي—كحارس للعدالة والكرامة—أو يُترك ليتحوّل إلى أداة في يد القوة، تشرعن الموت وتغتال ما تبقى من إنسانية.
ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا:
كم مرة يجب أن يُقتل الإنسان… حتى يعترف العالم أنه كان يستحق الحياة؟








