الشباب يتراجعون… وفتيات ينتظرون

بقلم الاعلامية : نرجس قدا
لم يكن هذا التحقيق مجرد فكرة عابرة، بل جاء بعد تكرار مشاهد وقصص تتشابه في تفاصيلها، وتختلف فقط في الأسماء. في كل مرة أسمع حكاية عن زواج لم يكتمل، أو خطوة تراجَع عنها صاحبها في اللحظة الأخيرة، كنت أشعر أن هناك شيئًا أعمق يستحق أن يُروى. لذلك قررت أن أقترب أكثر من الواقع، أن أستمع لا أن أكتفي بالملاحظة، وأن أطرح سؤالًا بسيطًا على الشباب والشابات: هل أصبح الصداق عائقًا أمام الزواج؟
بدأت جولتي بلقاء مجموعة من الشباب في أحد المقاهي، حيث كان الحديث صريحًا إلى حد كبير، خاليًا من التجميل أو المجاملة. يقول “س.م”، شاب في أواخر العشرينات: “أعمل منذ خمس سنوات، وكلما قررت التقدم للزواج أجد نفسي أمام قائمة طويلة من الطلبات… صداق مرتفع، وتجهيزات تفوق إمكانياتي. في كل مرة أتراجع.” لم يكن هذا الصوت فرديًا، بل كان أشبه بصدى يتكرر في أكثر من جلسة. شاب آخر أضاف بنبرة لا تخلو من الإحباط: “المشكلة ليست في أن نتحمل المسؤولية، بل في أن تتحول إلى عبء غير منطقي منذ البداية.”
وفي الجهة المقابلة، كان من الضروري أن أستمع إلى صوت الفتيات، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تختزل الأمر في مطالب مادية فقط. خلال لقاء جمعني بعدد من الشابات، بدا واضحًا أن المعاناة مشتركة ولكن من زاوية مختلفة. تقول “ن.ع”: “نحن أيضًا نعاني، فارتفاع الصداق لا يضمن السعادة، بل قد يؤخر زواجنا لسنوات.” وتضيف أخرى: “أحيانًا تكون الفتاة نفسها لا تطلب الكثير، لكن ضغط العائلة والمجتمع يفرض شروطًا مبالغًا فيها.” بين هذه الأصوات المتباينة، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا، حيث لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد، بل تبدو كأنها نتيجة طبيعية لمنظومة اجتماعية تتغذى على المقارنة والمظاهر أكثر مما تستند إلى احتياجات الواقع.
وخلال هذا التحقيق، كان هناك خيط مشترك يربط بين معظم الآراء التي استمعت إليها، وهو الخوف. خوف الأهل على مستقبل بناتهم، ورغبتهم في تأمينهن قدر الإمكان، يقابله خوف الشباب من الفشل تحت ضغط التزامات مالية تبدأ قبل أن تبدأ الحياة نفسها. وبين هذين الخوفين، يقف الزواج معلقًا، كقرار مؤجل لا يعرف أصحابه متى يحين وقته.
ورغم أن هذه الظاهرة تُناقش يوميًا في المجالس، إلا أن هناك واقعًا صامتًا لا يظهر في العناوين، لكنه حاضر بقوة في التفاصيل. سنّ الزواج في ارتفاع مستمر، وعدد العلاقات المؤجلة في ازدياد، وأحلام كثيرة تُركن على الهامش، ليس لغياب الرغبة أو ضعف الإحساس بالمسؤولية، بل لعجز الإمكانيات أمام سقف توقعات يتصاعد يومًا بعد يوم. هي أرقام قد لا تُكتب في تقارير رسمية، لكنها تُعاش يوميًا في قصص حقيقية، وفي قرارات تُؤجل بصمت، وربما في قلوب أنهكها الانتظار.
وأنا أستمع لكل هذه الحكايات، وجدت نفسي أطرح تساؤلات لا تقل إلحاحًا: هل أصبحنا نقيس نجاح الزواج بقيمته المادية؟ وهل تحوّل الصداق من رمز للتقدير إلى معيار للمكانة الاجتماعية؟ ومن المسؤول عن كسر هذه الحلقة… الأسرة أم المجتمع أم الطرفان معًا؟ الإجابات لم تكن جاهزة، لكنها كانت واضحة في ملامح المتحدثين، وفي ذلك التردد الذي يسبق كل قرار مصيري.
ما خرجت به من هذه الجولة أن المغالاة في الصداق ليست وليدة لحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة، تبدأ بثقافة المقارنة بين العائلات، وتمر بالرغبة في الظهور بمستوى مادي أعلى، ولا تنتهي عند غياب الوعي بحقيقة متطلبات الحياة الزوجية. وبين هذا وذاك، يحدث خلط بين التأمين المشروع للمستقبل والمبالغة التي قد تُفقد الأمور توازنها.
ورغم تعقيد الصورة، إلا أن الأمل لا يزال حاضرًا. فالحلول، كما بدت لي من خلال هذه اللقاءات، لا تحتاج إلى تغييرات جذرية بقدر ما تحتاج إلى وعي حقيقي يبدأ من داخل الأسرة، ويمتد إلى المجتمع بأكمله. نشر ثقافة التيسير في الزواج، وتشجيع النماذج التي قامت على البساطة، وإعادة النظر في الصورة النمطية التي تربط قيمة الزواج بحجمه المادي، كلها خطوات قد تبدو صغيرة، لكنها قادرة على إحداث فرق حقيقي.
عزيزي القارئ، وأنت تمر بين هذه السطور، ربما تذكرت قصة قريبة منك، أو وجدت نفسك داخل واحدة منها. وربما تساءلت، كما تساءلت أنا، إن كان التعقيد الذي نراه اليوم ضروريًا فعلًا، أم أنه مجرد عادة توارثناها دون أن نراجعها.
وعلى يبدو أن المشكلة ليسة في الصداق وحده، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى الزواج ككل. فإما أن نظل أسرى للمظاهر، أو نعيد تعريف البدايات ببساطتها. فالزواج لا يحتاج إلى أرقام تثقله، بقدر ما يحتاج إلى نوايا صادقة تحمله. لأن بعض الأبواب لا تُفتح إلا حين نخفف ما نحمله على أكتافنا، وبعض البدايات لا تنجح إلا حين نؤمن أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بما يُدفع، بل بما يُبنى.








